الاسلام في عصر العولمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الاسلام في عصر العولمة

مُساهمة  wasem في الخميس يونيو 23, 2011 10:39 pm

قد درج البعض فى عالمنا الإسلامي على إبداء تخوفهم وفزعهم بشكل واضح عند ظهور أي تيار فكرى جديد أو مذهب اقتصادي أو نظرية سياسية أو غير ذلك من تيارات تهب علينا من الشرق أو من الغرب. ومن منطلق خشيتهم على القيم الدينية وحماية المسلمين من أخطار تلك التيارات يتجهون ابتداء إلى رفض هذا التيار أو ذاك لما يمثله- فى نظرهم- من غزو فكري أو اقتصادي أو غير ذلك وقد يميلون إلى الاعتقاد بأن هذا الغزو يمثل أحد فصول مخطط مرسوم بعناية للقضاء على الإسلام والهوية الإسلامية . وفى المقابل نجد فريقا آخر فى عالمنا الإسلامى يتقبل كل ما يأتى من الشرق أو من الغرب دون تمحيص ويتحمس له ويتهم الرافضين بالجهل والتخلف والرجعية. فكل ما يأتى من البلاد المتقدمة- فى نظر هذا الفريق- لابد أن يكون أيضا متضمنا لأسباب التقدم والرقى ويحدث في كثير من الأحيان أن يتصارع هذان الفريقان: الرافض بإطلاق والمتقبل بإطلاق ويهدرون فى مناقشات عقيمة الكثير من الجهد والوقت فى جدل لا طائل من ورائه. ومن الأمثلة على ذلك الموقف من الحضارة الغربية بصفة عامة أو الموقف من الدراسات الاستشراقيه فى الغرب أو الموقف فى السنوات الأخيرة من قضية العولمة وغيرها من قضايا أخري. ويمثل هذان الفريقان- على الرغم من تباعد ما بينهما- نظرة أحادية الجانب لا تريد أن تستوعب القضايا المطروحة على بساط البحث بكل ما لها وما عليها بطريقة موضوعية. ومن هنا فنحن- ابتداء- لسنا مع أو ضد العولمة ولكننا مع النظرة- النقدية الواعية للعولمة ولغيرها من التيارات الوافدة. وأعتقد أن الضرورة تحتم أن يكون للمسلمين نظرتهم النقدية التى تتعمق القضايا بكل أبعادها وتحللها من جميع جوانبها وتخط لنفسها طريقا لا يتجاهل الواقع من ناحية ولا يندفع دون وعى نحو كل دعوة جديدة من ناحية أخرى. وأود أن أشير هنا إلى بعض الملاحظات المبدئية

أولا

الإسلام كدين ليس تياراً فكريا أو ظاهرة وقتية حتى يخشى عليه من التيارات الفكرية الوافدة. إنه دين له جذور ضاربة فى- أعماق الكيان الإسلامى وأصول راسخة لا تستطيع أن تنال منها التيارات الوقتية الطارئة. ولايخشى على هذا الدين من أية تيارات داخلية أو خارجية مهما كانت قوتها طالما فهم المسلمون هذا الدين فهماً صحيحاً وأدركوا إدراكا واعياً أهدافه النبيلة وغاياته السامية وجوهره .الحقيقى

ثانيا

العولمة واقع لا يجدي معه أسلوب الرفض. إنه تيار بدأ بالمجال الاقتصادي وامتد إلى المجال السياسى .والمجال الثقافي وهذا الواقع يعد حقيقة ماثلة أمامنا لا مجال لإنكارها

ثالثا

لا يجوز لنا أن نتجاهل اننا لا نعيش وحدنا فى هذا العالم وأننا نعيش الآن فى عصر ثورة الاتصالات والمعلومات والثورة التكنولوجية وفى عصر السماوات المفتوحة وهذا يعنى أنه لا مجال للانعزال أو التقوقع. وإذا كانت العولمة تهدف إلى إزالة الحواجز الزمانية والمكانية والثقافية والسياسية والاقتصادية بين الأمم والشعوب وتحاول بطرق مختلفة فرض قيم معينة وحضارة معينة هى قيم الحضارة الغربية أو قيم الأقوياء فإن ذلك لا ينبغى أن يصيبنا بالفزع وفقدان التوازن لأن ذلك لن يجدي فتيلا ولن يتيح لنا الفرصة للتفكير السليم. فنحن- كما سبق أن أشرت- أمام واقع وواجبنا هو أن نتعامل معه وهذا الواقع ليس كله شراً وليس كله خيراً. ومن هنا ينبغى معه التعامل على هذا الأساس ومن الواضح أن العولمة تشتمل على عناصر جوهرية كما تشتمل على عناصر أخري مصاحبة ولكنها أصبحت تحاصر الناس فى كل مكان فى العالم عن يمينهم وشمالهم ومن أمامهم ومن خلفهم. ويتمثل ذلك- على سبيل المثال لا الحصر فى انتشار المأكولات والمشروبات السريعة مثل الهامبورجر والكوكاكولا والملبوسات مثل الجينز والبرامج والأفلام والفنون المختلفة- الجيد منها والرديء- ووسائل الترفيه المختلفة...... إلخ. ولكن الشئ الأهم فى ذلك كله هو ما تحمله العولمة فى طياتها من الترويج لأنماط معينة فى العلاقات الأسرية والاجتماعية والجنسية السائدة فى الغرب- المصدر الأول للعولمة-. وليس بخاف على أحد أننا إذا أغلقنا الأبواب والنوافذ أمام هذا السيل الجارف من العولمة فإننا لن نستطيع أن نمنع وصول ذلك إلى المواطنين عن طريق الأقمار الصناعية والدش وشاشات التليفزيون والإنترنت. ومن أجل ذلك قلنا إننا أمام واقع لابد من التفكير فى التعامل معه على نحو سليم. إن العولمة- فى رأينا- تمثل بالنسبة للمسلمين دعوة غير مباشرة إلى ممارسة النقد الذاتي ليعيدوا النظر فى حساباتهم ويعيدوا ترتيب البيت من الداخل وهذه الدعوة تأتى بطبيعة الحال دون قصد من أصحاب العولمة. وقد يري البعض أن العولمة تمثل استفزازاً للمسلمين ونري أنه استفزاز مفيد إذا أحسن المسلمون التعامل معه بأسلوب عقلاني بعيد عن التشنج والانفعال وإذا كنا هنا بصدد الحديث عن الإسلام والعولمة فإننا لن نستطيع- بطبيعة الحال- أن نفصل القول فى كل جوانب العولمة فهذا التفصيل له مجال اخر. ومن أجل ذلك سنركز فيما يلى بإيجاز شديد على بعض العناصر الجوهرية فى العولمة وبخاصة فى أهم جوانبها الاقتصادية والسياسية والثقافية والموقف الإسلامي من ذلك كله. أما الجانب الاقتصادى فإنه يعد أبرز مجالات العولمة. وتتمثل العولمة فى هذا المجال فى حرية السوق وما يرتبط بذلك من إزالة الحواجز وفتح أبواب التبادل دون عوائق وتكوين التكتلات الاقتصادية الكبرى إلخ. وإذا جاز لنا أن نبدى وجهة نظر عامة- غير متخصصة فى هذا الصدد فإننا نعتقد أن العولمة الاقتصادية ينبغى أن تحمل المسلمين على الاستفادة مما قامت عليه من تكتلات اقتصادية. وهذا يعنى أن عليهم أن يتجهوا دون إبطاء إلى تكوين تكتل اقتصادى عربي وتكتل اقتصادي إسلامي والمشاركة فى تكتلات أخرى إقليمية ودولية. وعندما ينجحون فى هذا السبيل فلن تكون هناك على الأرجح مخاطر ذات بال من جانب العولمة الاقتصادية على العالم الإسلامى. وإذا واجهنا القوة الاقتصادية بقوة اقتصادية مقابلة فإننا سنكون مشاركين فى العولمة وليس مجرد تابعين للغير وبالتالى سيكون لنا تأثيرنا الذي لا يمكن تجاهله على اقتصاد العولمة وتصحيح مسارها فالقضية- فى رأينا- تدور حول أسلوب التعامل مع هذا الواقع الجديد والتفاعل معه بطريقة سليمة. أما إذا تجاهلنا الواقع واكتفينا بعبارات الرفض والشجب والإدانة والاستنكار لأساليب الهيمنة والسيطرة وفرض النظم الغربية... الخ فإننا بذلك سنظل ندور حول أنفسنا مكتفين بدفاع الحناجر. وهذا أمر لا يرضاه مسلم عاقل. ولسنا فى حاجة إلى التأكيد على أن العالم الإسلامى يملك كل أسباب القوة الاقتصادية وكل ما يحتاجه هو الإرادة الفاعلة لتحقيق ذلك. أما العولمة فى المجال السياسى فإن أبرز ما يصادفنا فيها هو الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية. والذى يفهم الإسلام فهماً حقيقياً يتضح له ان الإسلام بما اشتمل عليه من قيم وتعاليم قد سبق العولمة فى هذا المجال ورسخ قيم الشورى وحقوق الإنسان والتعددية. وعلى الرغم من ذلك نجد من بين أبناء المسلمين من يتصدى لرفض الديمقراطية بوصفها استيراداً غربياً أو مفهوماً أجنبياً. والواقع أن الإسلام حين قرر الشورى فإنه قد أرسى قاعدة مبدئية ملزمة لا يجوز التنصل منها ولكنه فى الوقت نفسه ترك للمسلمين حرية اختيار الشكل الذي تطبق فيه الشورى بما يتناسب مع كل عصر. وقد تكون الصورة المناسبة هي الصورة الحالية المتمثلة فى المجالس النيابية المنتخبة انتخاباً حرا مباشراً. وقد تكون صورة أخرى حسب ظروف كل عصر أما حقوق الإنسان فإن الإسلام كان أشد حرصاً على ترسيخها فى النفوس وتطبيقها فى الواقع. فقد كرم الله الإنسان - مطلق إنسان- وساوى بين الناس جميعاً بصرف النظر عن أعراقهم وأجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم وأمر بإقامة موازين العدل بين البشر. وتمثلت مقاصد الشريعة الإسلامية فى حماية الأنفس والعقائد والعقول والأموال والأعراض. ويتصل بذلك حقوق اخرى كثيرة لم تعرفها البشرية إلا فى العصر الحديث. ومن هنا فانه لا ينبغى أن نخشى أو نتخوف من تيار العولمة المطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان. أما التعددية السياسية فإنها لا ينبغى أن تؤخذ من جانبها السلبى. فانه إذا كان الإسلام قد أباح لنا الاجتهاد فى أمور الدين فمن باب أولى فى أمور الدنيا وقد وجه النبي إلى ذلك حين قال أنتم أعلم بأمور دنياكم والاجتهاد يعنى وجهات نظر متعددة. وقد جعل الإسلام للمجتهد إذا اجتهد وأخطأ أجرأ واحدا وإذا أصاب فله أجران حفزاً لنا على الاجتهاد والتمسك به. وأوضح مثال على ذلك تعدد المذاهب الفقهية. فالتعددية السياسية إذن ليست بدعة أو أمراً مرفوضا فى الإسلام وإنما هى وسيلة اجتهادية للوصول إلى أفضل السبل لتنمية الحياة فى جميع المجالات. ولا يجوز لنا أن ننسى أن ذلك كله محوط فى الإسلام بسياج منيع يتمثل فى منظومة القيم الأخلاقية التى قررها الإسلام وفي القاعدة النبوية المعروفة لا ضرر ولاضرار وإذا كان الأمر كذلك فان الأجدر بنا- نحن المسلمين- أن نكون مشاركين ومؤثرين تأثيراً إيجابيا فى ترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية. ومن خلال مشاركتنا الإيجابية نستطيع أن يكون لنا دور فاعل فى تجنب كل السلبيات التى تنحرف بهذه القيم عن مسارها الأخلاقي السليم. أما العولمة فى المجال الثقافي والتى تعنى أن تكون هناك ثقافة عالمية من شأنها أن تهدد الخصوصيات الثقافية للأمم والشعوب فإن ذلك ربما يكون أهم اعتراض يطرح على الساحة الإسلامية وقد يعد أهم التحديات التى تواجه الهوية الإسلامية. ولكن الأمر فى حاجة إلى شئ من التأمل. فالإسلام دين متفتح لا يرفض ثقافة معينة لمجرد كونها أجنبية وإنما ينظر فيها ويفحصها بعناية ويأخذ منها ما يقيده فى مسيرته الحضارية. ويؤكد ذلك قول النبي الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها والأثر المشهور اطلبوا العلم ولو فى الصين أى ولو كان فى يد من لا يدينون بدينكم أو بمعنى آخر: ولو كان فى أبعد مكان فى الدنيا. وقد استفاد المسلمون عندماأرادوا بناء حضارتهم من كل الثقافات التى كانت قائمة حينذاك. وفي هذا الصدد يرى الفيلسوف ابن رشد أن الشرع يوجب الاطلاع على كتب القدماء ويدخل فى ذلك بطبيعة الحال الاطلاع على كل جديد فى مستقبل الأيام. ويقول ابن رشد فى هذا الصدد: " ننظر فى الذى قالوه من ذلك وما أثبتوه فى كتبهم. فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذ رنا هم " بهذه النظرة النقدية كان ابن رشد ينظر إلى الثقافات الأخرى. ونحن مطالبون أيضا فى عصرنا الحاضر أن نعمل عقولنا فيما يرد إلينا أو يقدم لنا من ثقافات العصر. وأن نأخذ منها ما يفيدنا فى مسيرتنا. فالإسلام قد جاء لمصلحة الإنسان ولا يمكن أن يرفض ثقافة نافعة فيها مصلحة للبشر. وبهذا الموقف النقدي يمكن لنا أن نحافظ على هويتنا الثقافية وفى الوقت نفسه لا ننعزل عن عصرنا ولا عن ثقافته وإنما نتعامل معها كواقع ونتفاعل معها بصورة إيجابية ونتجاوب مع كل ما يحقق المصلحة للمجتمع فالعقلية الإسلامية يفترض فيها أنها عقلية مرنة ليست جامدة أو متزمتة ولدينا من رصيدنا الديني والحضارى ما يمثل سياجا قوياً يحمى أجيالنا من أية تيارات سلبية ولسنا بدعاً بين الأمم عندما نعمل على تجنب السلبيات التى قد يكون لها تأثير ضار على هويتنا الثقافية. فالدول الكبرى أيضا تعمل على الحفاظ على هويتها الثقافية. ومنذ سنوات قليلة أصدرت فرنسا تشريعا لحماية اللغة الفرنسية وتحريرها من سيادة المصطلحات والمفاهيم الأجنبية. والحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية وحماية أبناء المسلمين من خطر الذوبان فى أية ثقافة أخرى يكون بتحصينهم بثقافة إسلامية رشيدة تحرك المياه الراكدة فى مجتمعاتنا الإسلامية وتؤدى إلى تغيير العقليات لتنطلق الأمة الإسلامية إلى آفاق التقدم والارتقاء. فالثقافة السكونية أو ثقافة المحفوظات والترديد- بتعبيرالمرحوم الدكتور/ زكى نجيب محمود- لن تستطيع أن تغير شيئاً من واقع هذه المجتمعات وبالتالى لن تستطيع أن توفر أية حماية ثقافية للأجيال الجديدة فى عصر العولمة إن ما تحتاجه الأمة هو ثقافة التغيير والإبداع التى تستلهم قدرتها على التغيير من القانون القرآنى الثابت

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

إن الأمر بيدنا- نحن المسلمين- وعلينا أن نختار لأنفسنا الطريق القويم المحقق للأهداف وعلينا أن ندرك أن الإسلام منذ اللحظة الأولى كان ولا يزال دعوة عالمية للناس جميعاً. ومن هنا لفت نظرهم إلى وحدة الأصل الإنساني. فالناس جميعاً إخوة. وإذا كانوا مختلفين فى أجناسهم وأعراقهم ومعتقداتهم فإنهم- على الرغم من ذلك- ينتسبون جميعاً إلى أصل إنسانى واحد. وهذه الاختلافات- فى ضوء هذه الوحدة الإنسانية الراسخة- من شأنها أن تكون منطلقاً للتعارف والتآلف والتعاون لا للتنازع والتخاصم والشقاق- كما يقرر القرآن الكريم يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا وهكذا كانت دعوة الإسلام دعوة عالمية إلى الأخوة الإنسانية فى كل زمان ومكان. ويمكن القول بأن الإسلام يعد دين العولمة الحقيقية وإن كان هذا القول لن يروق لفريقين على طرفى نقيض أحدهما سيعتبر ذلك محاولة لأسلمه العولمة وثانيهما سيعده دعوة إلى تغريب الإسلام. وكلا الفريقين جاهز بشعاراته لخوض معركة وهمية. وتجنباً لسوء الفهم بحسن نية أو بسوء نية يكفى أن نشير فى هذا الصدد إلى فروق جوهرية بين العولمة الإسلامية والعولمة الجديدة. فالعولمة الإسلامية هدفها نشر القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية والحفاظ على الكرامة الإنسانية لكل البشر وتأكيد حق كل إنسان فى الحرية والمساواة وحماية الأنفس والمعتقدات والعقول والأموال والأعراض وإقامة موازين العدل بين الناس وصيانة مؤسسة الأسرة واحترام المرأة ومنع الظلم والاستغلال فى كل أشكاله وصوره. أما العولمة الجديدة فإنه على الرغم مما تنطوى عليه من عناصر إيجابية مقبولة لا يمكن إنكارها فإنها تنطوى أيضاً على استغلال وقهر للإنسان من حيث هو إنسان من جانب الشركات العالمية- الكبرى التى لا هدف لها إلا الربح على حساب كل القيم والأخلاق والمعتقدات. وإذا كانت العولمة الجديدة تركز على حرية الفرد فإنها تصل فى ذلك إلى المدى الذى يتحرر فيه هذا الفرد من كل قيود الأخلاق والدين والأعراف المرعية والوصول به إلى مرحلة العدمية وفى النهاية يصبح أسيراً لكل ما يعرض عليه وتلاحقه به الشركات العالمية الكبرى التى تستغله أسوأ استغلال بما تنتجه وتروح له من سلع استهلاكية أو ترفيهية لا تدع للفرد مجالاً للتفكير فى شئ آخر وتصيبه بالخواء الداخلى. ومن هنا فإن الواجب الدينى والإنسانى يحتم علينا أن نشارك مشاركة فعالة ومؤثرة فى العولمة الجديدة. وهذا يعنى أن نعمل جاهدين على الحد من اندفاعها المدمر لجوهر الإنسان وأن نعمل كذلك على تعديل مسارها وتقويم- توجهاتها من أجل مصلحة الإنسان مطلق إنسان. وإذا لم نفعل فإننا نكون قد تخلينا عن مسئوليتنا وارتضينا لأنفسنا أن نجلس فى مقاعد المتفرجين نشاهد ما يعرضه الآخرون علينا شئنا أم أبينا. فهل يليق بالمسلمين فى عالم اليوم- وقد بلغ عددهم خمس سكان العالم- أن يكتفوا بموقف المتفرج فى المسرح تعجبه بعض المشاهد فتـتهلل أساريره ولا تعجبه بعض المشاهد الأخرى فيقطب جبينه ويمط شفتيه امتعاضاً .إن العالم يسير من حولنا بسرعة مذهلة والمتغيرات على الساحة الدولية لا تكف عجلتها عن الدوران. وكل يوم يمضى يزيد من اتساع الفجوة بين المسلمين وبين العالم المتقدم. ولا خلاص لنا إلا بالأخذ بكل أساليب التطور العلمى والتقنى والحضارى والعمل الجاد المنتج على جميع المستويات والمشاركة الفعالة فى تقرير مصير هذا العالم الذى نعيش فيهوالإسهام فى استعادة التوازن المفقود فى حضارة العصر. وإلا فلسنا جديرين بالحياة. ولم يعد لصياح الحناجر ورفع الشعارات الجوفاء أى معنى. لقد أضاع المسلمون الكثير من عمر الزمن فى تفاهات الأمور والآخرون يصارعونهم فى عظائم الأمور والغالبية من المسلمين غير واعين بمتغيرات العصر وغير مدركين لأبعاد المخاطر التى تحيط بهم من كل جانب لأنهم مشغولون بقضايا هامشية ومهتمون ببعض المظاهر الشكلية فى الدين والآخرون يزلزلون فى جذورهم وهم لا يشعرون إن الأمر جد خطير وعلى مفكرى المسلمين فى كل مكان ألا يكفوا عن الدعوة إلى إيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين لتنهض الأمة وتشارك فى مسيرة التقدم على المستويين المادى والروحى وتحتل مكانها اللائق بها بين الأمم ولا ينفى ذلك بطبيعة الحال ان هناك دول إسلامية رائدة فى مقدمتها مصر تعمل جاهدة من اجل البحث عن مخرج لأزمة العالم الإسلامى بتقديم النموذج الأمثل فى التنمية الشاملة وفتح الأبواب للتعاون والتنسيق والتكامل فى جميع المجالات. والأمل كبير فى أن تجتاز الأمة الإسلامية أزمتها الراهنة وتكلل جهود المخلصين من أبنائها بالنجاح من أجل غد مشرق تنعم فيه الأمة كلها بالأمن و الاستقرار والتقدم والازدهار وتشارك بفاعلية فى سلام هذا العالم الذي هو عالمنا جميعاً .
avatar
wasem
Admin

المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 23/06/2011
العمر : 22

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://world-mig33.forumarabia.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى